محمد بن جرير الطبري
190
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ ( 1 ) ويتأوله بمعنى : في بئر حور سرى ، أي في بئر هلكة ، وأن " لا " بمعنى الإلغاء والصلة . ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم : فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا . . . لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا ( 2 ) وهو يريد : فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص : وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لا أُحِبَّه . . . وَللَّهْوُ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ ( 3 ) يريد : وَيلحينني في اللهو أن أحبه ، وبقوله تعالى : ( مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ) [ سورة الأعراف : 12 ] ، يريد أن تسجد . وحُكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول " غير " التي " مع " المغضوب عليهم " ، أنها بمعنى " سوى ( 4 ) . فكأنّ معنى الكلام كانَ عنده : اهدنا الصراط المستقيمَ ، صراط الذين أنعمتَ عليهم ، الذين همُ سوى المغضوب والضالين . وكان بعضُ نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله ( 5 ) ، ويزعمُ أن " غير "
--> ( 1 ) ديوانه : 16 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 8 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 25 والخزانة 2 : 95 ، وأمالي الشجري 2 : 231 ، والأضداد لابن الأنباري : 186 . والقائل بأنها زائدة من البصريين هو أبو عبيدة . ( 2 ) نسبه شارح القاموس عن الصاغاني لأبي النجم وقال : روايته : " إذا رأت ذا الشيبة القفندرا " وضبطوا " الشمط " بفتح الميم ، أي الشيب ، وجائز أن يكون أبو النجم قاله " الشمط " بكسر الميم على أنه فرح ، طرح ألف " أشمط " ، كما فعلوا في أشعث وشعث . وأحدب وحدب ، وأتعس وتعس ، وأحول وحول ، في الصفات المشبهة من العيوب الظاهرة والحلي . وانظر الفائق للزمخشري 2 : 326 فقد عدد ألفاظًا غيرها . وكأن الصاغاني أبى من رواية " الشمط " بفتحتين ، لأن القفندر : هو الصغير الرأس القبيح المنظر . والبيت برواية البري في مجاز القرآن لأبي عبيدة : 26 ، والأضداد لابن الأنباري : 185 ، واللسان ( قفندر ) ، ثم انظر أمالي الشجري 2 : 231 ، وغيرها . ( 3 ) الكامل 1 : 49 ، والأضداد لابن الأنباري : 186 ، ولحاه يلحاه لحيًا : عذله ولامه . ( 4 ) هو أبو عبيدة كما أسلفنا في أول هذه الفقرة . وأشار إليه الفراء في معاني القرآن : 8 بقوله : " وقد قال بعض من لا يعرف العربية . . . " ، وكذلك فعل الطبري من قبل في مواضع . وانظر اللسان ( غير ) . ( 5 ) يعني الفراء الكوفي في كتابه معاني القرآن : 8 ، أو غيره من كتبه .